الشوكاني

158

نيل الأوطار

لأن الميت يندب بأحسن أفعاله ، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق عليها العقاب . ومنها : أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله ، ويدل على ذلك حديث أبي موسى وحديث النعمان بن بشير الآتيان . ومنها : أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها ، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري ، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين ، واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم من حديث قيلة بفتح القاف وسكون الياء التحتية ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه ، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم قال الحافظ : وهو حسن الاسناد . وأخرج أبو داود والترمذي أطرافا منه . قال الطبري : ويؤيد ما قال أبو هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم ، ثم ساقه بإسناد صحيح ، وقد وهم المغربي في شرح بلوغ المرام ، فجعل قول أبي هريرة هذا حديثا ، وصحف الطبري بالطبراني . ومن أدلة هذا التأويل حديث النعمان بن بشير الآتي ، وكذلك حديث أبي موسى لما فيهما من أن ذلك يبلغ الميت . قال ابن المرابط : حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه . واعترضه ابن رشيد فقال : ليس نصا وإنما هو محتمل ، فإن قوله يستعبر إليه صويحبه ليس نصا في أن المراد به الميت ، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي ، وأن الميت حينئذ يعذب ببكاء الجماعة عليه ، قال في الفتح : ويحتمل أن يجمع بين هذه التأويلات ، فينزل على اختلاف الاشخاص بأن يقال مثلا : من كان طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنيعه ، ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به ، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها ، فإن كان راضيا بذلك التحق بالأول ، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي ، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم عز وجل . قال : وحكى الكرماني تفصيلا آخر وحسنه ، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة ، فيحمل قوله : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( فاطر : 18 ) على يوم القيامة ، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ انتهى . وأنت خبير بأن الآية عامة ، لأن الوزر المذكور فيها واقع في سياق النفي ، والأحاديث المذكورة في الباب مشتملة على وزر خاص ، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الآحادية هو